نصر حامد أبو زيد
45
الاتجاه العقلي في التفسير
إذا كان الفكر الاعتزالي في بواكيره الأولى قد نشأ - كما أسلفنا - استجابة لظروف اجتماعية وسياسية اصطبغت بالصبغة الدينية ، فإنه في تطوره وحركته التاريخية قد اصطدم بثقافات دينية أخرى لا تسلّم بداهة بما جاء به القرآن من أدلة على العدل والتوحيد وغيرها من القضايا التي جاهد المعتزلة في سبيل تأصيلها . وإذا كانت أقوال واصل في « التوحيد » لم تكن « نضيجة » كما قال الشهرستاني ، فإن الجدل مع الفرق الأخرى وأهل الأديان المخالفة بما تصطبغ به من فلسفات مختلفة كان كفيلا بانضاجها . 1 ولقد كان على المعتزلة أن ينظموا وسائلهم الاستدلالية لمواجهة هذه التيارات والرد عليها بشكل مقنع . وإذا كانت هذه الأديان والعقائد تسندها فلسفات لها قدر من العمق والشمول النظري ، فقد كان من الضروري للمعتزلة ان يتخلّوا عن أدلتهم الدينية المستمدة من الكتاب والسنة - وهي أدلة لا تقنع الخصم - إلى أدلة جديدة لا يجد الخصم بدا من التسليم بها . وبعبارة أخرى كان على المعتزلة أن يميزوا بين أدلّة العقل وأدلّة الشرع ، أو ما عرف بعد ذلك في علم الكلام بالعقل والنقل . وينسب المؤرخون إلى أبي الهذيل العلاف ( ت 235 ه ) وتلميذه إبراهيم ابن سيار النظّام ( ت 230 ه ) الاطلاع على كتب الفلاسفة والتأثر بها 2 ويعدانهما بداية التحول من المنهج الديني الخالص إلى الطريقة الجدلية التي يهمها الانتصار على الخصم عن طريق ايراد مقدمات شائعة مشهورة لا يستطيع الخصم المنازعة في صحتها . وكما نفر رجال الحديث والفقهاء من القول « بالقدر » ونفي الصفات عن اللّه ، فقد نفروا كذلك من طريقة المتكلمين في تثبيت العقيدة والدفاع عنها ، حتى أصبح الصاق صفة الكلام بالمحدّث كافيا لاطراح مروياته والتشكك في صدقها . غير أن البحث في الأدلّة العقلية ، والإعلاء من شأن العقل عند المعتزلة لم